الشيخ محمد رضا النعماني

62

شهيد الأمة وشاهدها

عيناه قط لفرط خجله مرة عيني أحد مدرسيه ، فهو لا يحدّث إلا ورأسه منحن وعيناه مسبلتان . أحببته طفلًا صغيراً بريئاً وأجللت فيه شيخاً كبيراً لما ألمّ به من علم ومعرفة حتى أنني قلت له ذات يوم : إنني أتوقع أن يأتي يوم ننهل فيه من علمك ومعرفتك ونهتدي بأفكارك وآرائك ، فكان جواب بكلّ أدب واحترام وقد علت وجهه حمرة الخجل : عفواً أستاذ ، فأنا لا أزال وسأبقى تلميذكم وتلميذ كلّ من أدّبني وعلّمني في هذه المدرسة ، وسأبقى تلميذكم المدين إليكم بتعليمي وتثقيفي . . ثم ختم الرجل حديثه بقوله : أتريدني بعد كلّ هذا أن لا أحزن عليه حزن الثاكل . . . ) ) . والواقع انني لا أعتقد أن هناك مبالغة أو نوع من التطرف أملاه واقع الإعجاب بالسيد الشهيد الصدر في هذين المقالين دفع صاحبيهما إلى الإطراء والمديح لأنّ واقع الحال يشهد لصحتها فمن المعلوم أن أوّل من تناول الماركسية نقداً أساسياً مفعماً بالحجج القوية والبراهين الدامغة كان هو الشهيد الصدر رحمه الله رغم أنّ المناهج الحوزوية - وخاصّة في تلك الفترة الزمنية - لا تعرف هذا اللون من الدراسات ، وكون السيد الشهيد الصدر أول من طرق هذا الباب كان يقتضي أنه قد بحث هذه الموضوع - ولو بشكل بدائي - في مرحلة مبكرة من عمره ويشهد لذلك أنّ النتاجات الفكرية له ومنها كتاب فلسفتنا سابقة رتبة على نتاجاته الفقهية والأصولية إجمالًا ، وهذه الملاحظة يكن أن تشكّل قرينة قويّة على صحّة ما جاء في المقالين السابقين . وعن شدّة اهتمامه - رضوان الله عليه - في المدرسة والبحث وتوسيع آفاقه العلمية في تلك الفترة ما حدثتني به أخته الشهيد بنت الهدى - رحمها الله - قالت : ( ( كنت مع أخي في تلك الفترة نجمع ما نحصل عليه من مال قليل فيشتري السيد به كتاباً فنطالعه ونستوعبه ، ثم يبيع الكتاب ليشتري بثمنه كتاباً آخر ، وهكذا استمرّ الحال حتى بعد هجرتنا إلى النجف الأشرف ) ) .